صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

392

تفسير القرآن الكريم

المفاض عليه ، فكل ما كان أشد مناسبة كان أقرب في درجة المعلولية . وكل فاعل حقيقي للممكنات فهو علّة غائية أيضا - كما حقّق في موضعه فيجب أن يكون الصادر منه في سلسلة بحسب القرب والبعد النزولي صاعدا إليه في سلسلة أخرى بحسب القرب والبعد الصعودي . وهذا أمر ظاهر بحسب الاستقراء التامّ في كل جملة إمكانية ، صادرة عن فاعل طباعي لأجل غاية ذاتية ، وله بيان تفصيلي يحتاج إلى استقصاء مباحث العلّة والمعلول ، وأحكام العقلة الغائية التي مرجعها إلى تحقّق العلة الفاعلية على الوجه الأكل الأتم ، سواء كانت العلة الغائية متأخّرة في الوجود عن العلّة الفاعلية - كما فيما تحت الكون - أم تكونان ذاتا واحدة - كما فيما فوق الكون . فإذا تقرّر هذا فأشرف الموجودات الصادرة عنه تعالى في سلسلة الابتداء هو « العقل الأول » والممكن الأشرف ، ثمّ الأشرف فالأشرف إلى الأخسّ فالأخسّ حتى انتهت نوبة الوجود إلى الأجسام - وهي موادّ الصنايع الإلهيّة بمنزلة قطع الخشب للنجّار - ثمّ يبتدئ منه الاستكمال بالصور والارتقاء إلى غاية الكمال ، فيتصوّر بصورة بعد صورة وبهيئة بعد هيئة كالصور والهيئات المترادفة على الخشب بفعل التشكيلات والتخطيطات المتواردة عليه من صنع النجّار ، فيتعاقب الصور على المواد بحسب تكامل الاستعداد من الأخسّ فالأخسّ إلى الأشرف ، فالأشرف ، والبراءة عن النقص والفتور ، والتجرّد عن الدثور والقصور ، إلى العقل المستفاد المتصل بالعقل الفعّال ، وهو أعلى مرتبة الوجود في العالم الإمكاني لكونه مشتملا على صور جميع الموجودات - عقلية وحسيّة ، من حيث ذاته ونفسه وجسمه ، كما سنشير إليه .